القرطبي
155
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية الدين ، وبقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ( 1 ) ) وهذان قد تعاقدا . وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود . قالوا : وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا ، قال الله تعالى : ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ( 2 ) ) وقال تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا ( 3 ) ) وقال عليه السلام : ( تفترق أمتي ) ولم يقل بأبدانها . وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال : سمعت شعيبا يقول : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ) . قالوا : فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق ، لان الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع . قالوا : ومعنى قوله ( المتبايعان بالخيار ) أي المتساومان بالخيار ما لم يعقدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه . والجواب - أماما اعتلوا به من الافتراق بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما بيناه في ( آل عمران ) ، وإن كان صحيحا في بعض المواضع فهو في هذا الموضع غير صحيح . وبيانه أن يقال : خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع ، أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره ؟ فإن قالوا : هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل ، لأنه ليس ثم كلام غير ذلك . وإن قالوا : هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم : كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم به بيعهما ، به افترقا ، هذا عين المحال والفاسد من القول . وأما قوله : ( ولا يحل ( 4 ) له أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله ) فمعناه - إن صح - على الندب ، بدليل قوله عليه السلام . ( من أقال مسلما أقاله الله عثرته ) وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث ، ولاجماعهم أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء . وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى ( لا يحل ) فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب ، وإلا فهو باطل بالاجماع . وأما تأويل ( المتبايعان ) بالمتساومين فعدول عن ظاهر اللفظ ، وإنما
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 31 ( 2 ) راجع ص 408 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 4 ص 166 ( 4 ) كذا في كل الأصول .